ابن تيمية
39
منهاج السنة النبوية
لَكِنْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي نَفْسِ الْحِكْمَةِ الْكُلِّيَّةِ ( 1 ) فِي هَذِهِ الْحَوَادِثِ ، فَهَذِهِ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ مَعْرِفَتُهَا ، وَيَكْفِيهِمُ التَّسْلِيمُ لِمَا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا . وَمِنَ الْمَعْلُومِ ( 2 ) مَا لَوْ عَلِمَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَضَرَّهُمْ عِلْمُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ . وَلَيْسَ اطِّلَاعُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى حُكْمِ ( 3 ) اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَافِعًا لَهُمْ بَلْ قَدْ يَكُونُ ضَارًّا . قَالَ تَعَالَى : { لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 101 ] . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ( 4 ) : مَسْأَلَةُ غَايَاتِ أَفْعَالِ اللَّهِ وَنِهَايَةِ حِكْمَتِهِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ ، لَعَلَّهَا أَجْلُ الْمَسَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَكَذَلِكَ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى مَسَائِلِ الْقَدَرِ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا تَنْبِيهًا لَطِيفًا عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْفِعْلِ ( 5 ) ظُلْمًا ، سَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّ الظُّلْمَ مُمْتَنِعٌ مِنَ اللَّهِ ، أَوْ قِيلَ ( 6 ) : إِنَّهُ مَقْدُورٌ ، فَإِنَّ الظُّلْمَ الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ أَنْ يُعَاقَبَ الْإِنْسَانُ عَلَى عَمَلِ غَيْرِهِ ، فَأَمَّا عُقُوبَتُهُ عَلَى فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ ، وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ ، فَهُوَ مِنْ كَمَالِ عَدْلِ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي بَابِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيرِ ( 7 ) بَيْنَ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ
--> ( 1 ) ب ، أ : الْكَمِّيَّةِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 2 ) ب ( فَقَطْ ) : الْعُلُومُ . ( 3 ) ب ، أ : حِكْمَةِ ( 4 ) ب ، أ : وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . ( 5 ) الْفِعْلِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ع ) . ( 6 ) قِيلَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) . ( 7 ) ب ، أ ، ع : وَالتَّجْوِيزِ ، وَهُوَ خَطَأٌ .